عبد الكريم الخطيب
460
التفسير القرآنى للقرآن
هو شأنها ، فإنّ التعلق بها وبأهلها ، وبأشيائها ، هو متاع إلى حين ، ثم ينصرم الحبل بين الإنسان وبين كل ما يمسك به من هذه الدنيا ، طال الزمن أو قصر - فإذا كان ما يمسك الإنسان من هذه الدنيا شئ يحول بينه وبين الطريق إلى اللّه ، وإلى ما عند اللّه من ثواب عظيم وأجر كريم - فإن هذا الشيء مهما غلا ، هو عرض زائل ، وظل حائل ، لا حساب له إلى جانب الباقيات الصالحات ، وما وعد اللّه سبحانه عليها ، من رضوان وجنّات فيها نعيم مقيم . قوله تعالى : « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » . فهذه هي الحياة الباقية ، التي ينبغي للإنسان أن يعمل لها ، ويحرص الحرص كلّه على ألّا يعوّقه شئ - أيّا كان - عن السعي في تحصيل كل ما هو مطلوب لها . . . فالذين آمنوا باللّه ، وعملوا الصالحات ، موعودون من اللّه سبحانه وتعالى أن ينزلهم من الجنة أكرم منازلها ، وأن يحلّهم منها في غرفات يجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ، لا يتحولون عنها . . . وذلك هو جزاء العاملين ، وإنه لنعم الجزاء . وإن أبرز صفات العالمين ، الذين يداومون على العمل ويحسنونه ، هو الصبر ، والتوكل على اللّه ، فبالصبر يقهر الإنسان كل دواعي الضعف والتخاذل ، وبالتوكل على اللّه والتسليم له ، وتفويض الأمور إليه ، يحلو المرّ ، ويستساغ الضرّ . . . وبهذا يظل العامل آخذا مكانه في موقع العمل ، فيما يرضى اللّه ، لا يتحول عنه أبدا . وفي قوله تعالى : « لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً » وعد مؤكد ، بالقسم ،